عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
585
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
فصل قلت يوما لولدي محمد . . « 1 » وهو قد أربى على عشر سنين بقليل ، وكان يتلو عليّ هذه السورة ، فلما جاء إلى هذه الآية قلت له ممتحنا لخاطره : هؤلاء قوم كفار ، فكيف قالوا : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ؟ فقال : الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أنه استهزاء منهم به صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما قال قوم فرعون لموسى : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : 27 ] ، فحمدت اللّه تعالى على توفيقه للصواب . وما أعرف للآية وجها سوى هذا . فقلت : والوجه الثاني ، ما هو ؟ فقال : الوجه الثاني : أن يكون قوله : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ نداء من اللّه له ، لا مما حكاه عنهم ، يشير إلى أنه كلام معترض ، ينعي به عليهم سوء حالهم في نسبتهم من اختصه اللّه تعالى لإنزال الذكر عليه إلى الجنون . وهذا وجه سديد لا يتقاصر في الجودة عن الذي قبله ، بل ربما زاد عليه . قوله تعالى : لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ قال أبو عبيدة « 2 » : لولا ولو ما لغتان بمعنى واحد ، وأنشد لابن مقبل : لو ما الحياء ولو ما الدّين عبتكما * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري « 3 »
--> ( 1 ) كلمة غير مقروءة في مصورة الأصل . ( 2 ) مجاز القرآن ( 1 / 346 ) . ( 3 ) البيت لابن مقبل يخاطب ابنتي عصر . وانظر : البحر ( 5 / 431 ) ، والدر المصون ( 4 / 289 ) ، والطبري ( 14 / 6 ) ، وزاد المسير ( 4 / 383 ) ، واللسان ( مادة : بعض ) ، والكشاف ( 2 / 535 ) .